الجنيد البغدادي
116
رسائل الجنيد
الترغيب وهو الهجوم على النفس من غير مقدمات له كالشيطاني إلا أن سرعة النفس لموافقة الخاطر الشيطاني أكثر . وهي له أبدر وهي عن هذا أكسل . إذ الشيطاني إنما يجيئها من شهواتها وراحاتها وهذه تأتى من جهة التكليف وتنفر نفرة من التكليف عند وروده عليها . فهذا الفرق بين هذا الخاطر الشيطاني والخاطر النفساني فإذا خطر لك فزنه بهذه الموازين الثلاث واستشهد في كل فصل منه بالشواهد التي أشرنا لك فيتميز لك الخواطر ، فاصنع في الشيطاني والنفساني ما كنا ذكرناه لك في المدافعة الحاسمة لهما وبادر لهذا الخاطر الرباني ودع التشاغل والتضييع فإن الوقت ضيق غال والحال يتحول وإياك وتسويل النفس ووسواس الشيطان فإن هذا الباب من أبواب الخير قد انفتح له فارحبه حتى تستأنفه من أوله ومثاله أن يكون قد أخطر الخاطر في صيام بعض شهر قد حث الشرع على صيامه أو قيام بعض ليلة فيقول : دع هذا حتى أستكمل الليل بأوله أو الشهر بتمامه وإنما ذلك مخادعة لسد باب التوفيق المجزي فإن هذه الخواطر لا تدوم وإنما هي سريعة الاستحالة والمبادرة لإمساك الخاطر الرباني مأمور الشرع وفيه فائدتان : أحدهما أن يكون وقت أكمل من وقت كنحو الأوقات التي ورد الخبر عن مسامحة اللّه عز وجل وتنزل الرحمة والغفران ونظرات الحق سبحانه وتعالى إلى الخلق لا تحصى والأخرى إيلاف النفس للمبادرة لامتثال الأوامر والطاعات عندما ترجى بركة العمل وفيه إزالة حال التكاسل عنها وذلك للتعرض لنفحات رحمة اللّه تعالى وهذا في رياضة النفس على المبادرة في امتثال الأوامر مفيد أيضا ، واللّه أعلم « 1 » . آخر أدب الفقير « 2 » من كلام الشيخ أبي القاسم الجنيد قدّس اللّه روحه ونوّر ضريحه ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلّى اللّه على محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا . * * *
--> ( 1 ) في ط : وأحكم . ( 2 ) في ط : الفقر .